عالم الانترنيت. إبراهيم عبدالله

عالم الانترنت
إبراهيم عبدالله
في مساء هادئ، تجمعت الأسرة حول مائدة العشاء. لكن الغريب أن الهدوء لم يكن دليل انسجام، بل صمت ثقيل تقطّعه نقرات الأصابع على الشاشات. الابن غارق في لعبة إلكترونية، الابنة تتصفح صورها على “إنستغرام”، الأم تتابع مقاطع الطبخ، والأب عينه معلّقة بأخبار عاجلة على هاتفه. كانوا يجلسون معًا، لكن كل واحد في عالمه الخاص.
هذا المشهد الذي صار يتكرر في آلاف البيوت يكشف بوضوح كيف أصبح الإنترنت ضيفًا دائما لا يكتفي بمراقبة تفاصيل الحياة بل يعيد تشكيلها من جديد.
الإنترنت..حين يكون جسرًا
قبل سنوات، كان الغياب يُثقل القلوب. اليوم، الإنترنت كسر حواجز المسافة: أب في الغربة يشارك أبناءه فرحتهم مباشرة، أم تتابع تقدم ابنها في الجامعة عبر مكالمات الفيديو، وأخ وأخته يتبادلان الضحكات ولو فرّقتهما قارات. هنا، يتحول الإنترنت إلى جسر دافئ يربط القلوب ويُنعش الروابط العائلية.
الإنترنت.. حين يصبح جدارا
لكن الوجه الآخر أكثر قسوة. حين يتسلل الإنترنت بلا وعي، يسرق من الأسرة لحظات الدفء. يصبح الحوار نادرًا، والضحكة العائلية باهتة، و”الوجود” مجرد أجساد متجاورة بأرواح متباعدة. هنا، يتحول الجسر إلى جدار، والجدار إلى عزلة صامتة.
(أثره على القيم والتربية)
الأطفال لم يعودوا يتلقون تربيتهم فقط من البيت أو المدرسة، بل من فضاء مفتوح يموج بأفكار وصور ومؤثرين. هذا الواقع يفرض على الأسرة يقظة مضاعفة، ليس عبر المنع والحرمان، بل بالاحتواء والتوجيه، حتى لا يتحول الإنترنت من أداة معرفة إلى بوابة ضياع.
الطريق إلى التوازن
الحكمة تكمن في الموازنة: تحديد أوقات عائلية خالية من الأجهزة، استثمار الإنترنت في التعلم والتثقيف، وتحويله إلى وسيلة تعزز الروابط لا تُضعفها. فالأسرة التي تدير علاقتها بالشبكة بوعي، قادرة أن تجعلها وسيلة للبقاء أقرب، لا أبعد.
(خاتمة)
حكاية ذلك البيت حول مائدة العشاء ليست استثناءً، بل مرآة لواقع يعيشه الكثيرون. الإنترنت ليس عدوًا ولا صديقًا بحد ذاته هو مرآة لطريقة استخدامنا له. فإما أن نسمح له بأن يسلبنا دفئ العائلة، أو نجعله أداة نكتب بها قصة أسرة متماسكة تعيش بروح العصر دون أن تفقد جذورها .


