من خداع المفاوضات إلى الاغتيالات :القوة الاولى في العالم بين عار الغدر ومسؤولية الدم في غزة / د علي أحمد جاد

من خداع المفاوضات إلى الاغتيالات: القوة الأولى في العالم بين عار الغدر ومسؤولية الدم في غزة
دكتور علي أحمد جاد بدر
استاذ العلوم السياسية
لم يكن الحدث الذي وقع في قطر مؤخراً مجرد عملية أمنية عابرة، بل محطة خطيرة في مسار الحرب المفتوحة على غزة والمنطقة، فقد لجأت الولايات المتحدة الأمريكية بالتنسيق مع إسرائيل، إلى توظيف قنوات التفاوض كأداة للخداع، مستغلة أجواء الوساطات والمحادثات الجارية من أجل تنفيذ محاولة اغتيال استهدفت قادة من حركة حماس على الأراضي القطرية، وهذا التطور يضع القوة الأولى في العالم أمام مأزق أخلاقي وسياسي، ويفضح مرة أخرى ازدواجية خطابها حول السلام والقواعد الدولية.
والتاريخ حافل باستخدام التفاوض وسيلة لإدارة الصراعات، لكن ما شهدته الدوحة يمثل انحداراً غير مسبوق مع تحويل المفاوضات إلى فخّ والدبلوماسية إلى غطاء للاغتيال، وهذا السلوك يعكس سقوطاً في الشرعية إذ ينسف قواعد الثقة التي تُفترض في أي عملية سياسية، ويحوّل العمل الدبلوماسي إلى أداة غدر، وهو ما سيترك آثاراً بعيدة المدى على مستقبل الوساطات في الشرق الأوسط والعالم.
واختيار قطر لتنفيذ محاولة الاغتيال ليس صدفة، فهي الدولة التي احتضنت المفاوضات بشأن غزة، وتُمثل منصة محورية للحوار بين الأطراف المتنازعة، واستهداف قادة المقاومة على أرضها يرسل رسائل متعددة، أولها تهديد مباشر لحماس ورموزها، وثانيها اختبار لمدى قدرة قطر على حماية دورها كوسيط، وثالثها رسالة إلى كل الأطراف بأن لا مكان محايداً في ظل الحرب الراهنة، ومع ذلك فإن هذه المحاولة تمثل أيضاً خرقاً سافراً لسيادة دولة عربية ذات سيادة وفقاً للقانون الدولى.
ولا يمكن فهم ما جرى في قطر بعيداً عن الحرب الدائرة على غزة، فالاغتيال ومحاولاته جزء من استراتيجية أوسع تستهدف كسر إرادة الشعب الفلسطيني وإضعاف حضوره السياسي والعسكري داخل القطاع وخارجه.
وبينما يتعرض الشعب الفلسطيني لحرب إبادة متواصلة، فإن استهداف قادته في الخارج يعكس سعياً لتجفيف منابع الدعم السياسي والمعنوي، وربط مصير المقاومة بحصار شامل يمتد جغرافياً وسياسياً.
ولقد اعتادت الولايات المتحدة الأمريكية أن تقدم نفسها كحارس للنظام الدولي، لكن سلوكها الأخير يكشف أن قوتها تُستخدم لشرعنة الاغتيالات لا لحماية السلم، وإن العار الذي يلاحقها لا يتعلق فقط بتواطؤها مع إسرائيل في العدوان على غزة، بل أيضاً بتقويضها لمفهوم الدبلوماسية وتحويلها من جسر للتفاهم إلى فخّ للموت، وهذا الانزلاق يضعها في مواجهة السؤال التاريخي: كيف يمكن لقوة تدّعي قيادة العالم الحر أن تمارس أساليب الغدر التي عفا عليها الزمن؟
ولاشك أن محاولة الاغتيال في قطر تكشف هشاشة النظام الدولي، وعجز مؤسساته عن ردع القوى الكبرى حين تخرق القانون الدولي بوضوح، ومن هنا فإن الحاجة ملحّة لإعادة بناء منظومة ضوابط جديدة تضمن عدم استغلال التفاوض كأداة للقتل، وتحمي سيادة الدول وأمنها من عبث القوى المتغطرسة.
وإن ما حدث يفرض على المجتمع الدولي خاصة القوى الكبرى الأخرى ضرورة إعادة النظر في بنية النظام الدولي الراهن، فحين تتحول المفاوضات إلى أداة للقتل، وتصبح المؤسسات الدولية عاجزة عن حماية أبسط قواعد القانون، فإن إعادة بناء منظومة ضوابط جديدة لم يعد ترفاً، بل ضرورة لحماية السلم والأمن الدوليين من الانهيار الكامل.


