من حروب الأمس الى صفقات الغاز :قراءة خطاب د ضياء رشوان عن مصر واسرائيل

من حروب الأمس إلى صفقات الغاز: قراءة في خطاب د. ضياء رشوان عن مصر وإسرائيل
ا د علي أحمد جاد بدر. استاذ العلوم السياسية
في اللقاء الإعلامي الأخير للدكتور ضياء رشوان، رئيس الهيئة العامة للاستعلامات، برزت إشارات مهمة حول صفقة الغاز والعلاقة المتوترة بين مصر وإسرائيل في ظل الحرب الدائرة على الأرض الفلسطينية، وحديث رشوان لم يكن مجرد تعليق على تطورات آنية بل جاء أقرب إلى خطاب استراتيجي يربط الماضي بالحاضر ويشرح معادلة معقدة تجمع بين الاقتصاد والسياسة والأمن.
ومنذ مطلع الألفية الثالثة شكّل ملف الغاز بين مصر وإسرائيل أحد أكثر الملفات إثارة للجدل، ففي عام 2005 م وُقّعت اتفاقية لتصدير الغاز المصري إلى إسرائيل بأسعار وُصفت بأنها تفضيلية، مما أثار موجة اعتراض داخلية واسعة وفتح باب النقاش حول جدوى هذه الصفقات، ورغم أن الاتفاق توقف لاحقًا بعد ثورة يناير 2011م نتيجة الاعتداءات المتكررة على خط الأنابيب في سيناء، فإن التطورات اللاحقة أفرزت مفارقة لافتة إذ عادت إسرائيل لتصدير الغاز إلى مصر، التي تحوّلت بدورها إلى مركز إقليمي لإسالة وتصدير الغاز إلى أوروبا.
وفي هذا السياق جاء حديث رشوان ليؤكد أن الغاز لم يعد مجرد ملف تجاري، بل أصبح ورقة استراتيجية تمس مكانة مصر في الاقليم وتؤثر على قدرتها على التفاوض في ملفات كبرى من الطاقة إلى الأمن القومي، لكنه شدد أيضًا على أن أي المكاسب الاقتصادية تبقى رهينة بالاستقرار السياسي والأمني، وهو ما يجعل صفقات الغاز مرتبطة بشكل مباشر بتطورات الحرب.
ومنذ حرب 1948م مرورًا بنكسة 1967م ، وصولًا إلى نصر أكتوبر 1973م ، شكّلت المواجهة العسكرية مع إسرائيل المحرك الرئيسي للعلاقات بين البلدين، وقد جاءت معاهدة السلام عام 1979م لتضع حدًا للحروب التقليدية، لكنها لم تنه الصراع بأبعاده السياسية والانسانية المرتبطة بالقضية الفلسطينية.
واليوم كما أوضح رشوان لم تعد الحرب بين مصر وإسرائيل مطروحة في شكلها التقليدي، بل أصبحت المواجهة تدور في ساحات غير تقليدية الإعلام، الطاقة، النفوذ الاقليمي، فبينما تبقى معركة غزة قائمة بكل مآسيها، فإن مصر تتحرك من موقع الدولة المسؤولة عن أمنها القومي، حريصة على دعم الفلسطينيين سياسيًا وإنسانيًا دون أن تنجر إلى مواجهة مباشرة قد تُفقدها قدرتها على التأثير أو تُعرّض استقرارها الداخلي للخطر.
والأهمية في حديث رشوان تكمن في أنه ربط بين الماضي العسكري والحاضر الاقتصادي، فمصر التي خاضت أربع حروب مع إسرائيل باتت اليوم جزءًا من شبكة مصالح معقدة تتضمن الغاز والتجارة والدبلوماسية، ورغم أن هذا التحول قد يبدو متناقضًا إلا أن رشوان قدّمه باعتباره جزءًا من طبيعة العلاقات الدولية لا صداقة دائمة ولا عداوة دائمة بل مصالح متغيرة ، وجاء تأكيده على أن مصر لن تقبل بتهديد أمنها القومي أو تجاوز خطوطها الحمراء، خاصة في سيناء ومعبر رفح، يذكّر بأن ذاكرة الحروب لم تغب وأن السياسة المصرية تُدار على قاعدة الجمع بين السلام المشروط بالقوة والمصالح الاقتصادية المحكومة بالأمن.
وخطاب الدكتور ضياء رشوان عن صفقة الغاز والحرب مع إسرائيل يعكس تحوّلًا جوهريًا في مقاربة الدولة المصرية للعلاقة مع تل أبيب من منطق الحرب المباشرة في العقود الماضية، إلى منطق إدارة المصالح في الحاضر، غير أن الرسالة الأعمق كانت واضحة فمصر تدرك أن الغاز قد يكون أداة قوة كما قد يكون نقطة ضعف، وأن معركتها ليست فقط مع إسرائيل بل مع تعقيدات الجغرافيا السياسية لشرق المتوسط.
وبذلك قدّم رشوان رؤية تحليلية متوازنة تضع الاقتصاد في سياق السياسة، وتربط بين الماضي العسكري والحاضر الاقتصادي، وتوضح أن مصر تتحرك بعقل الدولة التي تحسب خطواتها في منطقة ملتهبة حيث تتقاطع المصالح وتتغير التحالفات باستمرار.


