اتفاقية الدفاع المشترك بين إثيوبيا وكينيا:قراءة تحليلية /ا د علي أحمد جاد بدر

اتفاقية الدفاع المشترك بين أثيوبيا وكينيا: قراءة تحليلية
في سياق متصاعد من التوترات الاقليمية في شرق أفريقيا، جاءت اتفاقية الدفاع المشترك بين أثيوبيا وكينيا لتثير تساؤلات عديدة حول دوافعها وأبعادها الجيوسياسية والعسكرية، فالاتفاق الذي أُعلن عنه مؤخرًا لا يمكن فصله عن التحولات الكبرى في موازين القوى داخل القرن الأفريقي، ولا عن الحسابات الأمنية التي تربط الدولتين بمحيطهما الاقليمي، خصوصًا مع التنافس المتزايد على النفوذ بين أثيوبيا، وإريتريا، والصومال، ومصر، والسودان.
وتعود العلاقات الأثيوبية الكينية إلى عقود من التعاون الحدودي والأمني حيث تشترك الدولتان في حدود طويلة غير مستقرة تمتد لأكثر من 800 كيلومتر، وتنتشر على جانبيها الجماعات مسلحة وقبلية متنازعة.
غير أن توقيع اتفاق الدفاع المشترك الرسمييمثل نقلة نوعية في طبيعة العلاقة إذ ينتقل التعاون من مستوى تنسيقي إلى شراكة عسكرية مؤسسية تشمل التدريب، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، ومواجهة الإرهاب، وربما التعاون في تصنيع الأسلحة أو إنشاء القواعد المشتركة مستقبلًا.
بعد تدهور علاقة أثيوبيا مع الصومال وإريتريا وسوء علاقتها مع السودان ومصر بسبب ملف سد النهضة، تسعى أثيوبيا إلى إيجاد شريك استراتيجي في كينيا يكسر عزلتها الإقليمية ، وفي ظل رغبة أديس أبابا في الحصول على منفذ بحري تشكل كينيا بوابة محتملة من خلال موانئها في لامو ومومباسا، وهو ما يجعل التعاون العسكري مدخلًا للتعاون البحري.
وتواجه أثيوبيا اضطرابات داخلية متزايدة في إقليم تيغراي وأوروميا وتخشى أن تمتد هذه الاضطرابات نحو حدودها، مما يدفعها لتأمين حدودها الجنوبية بالتنسيق مع نيروبي.
وتعاني كينيا من تهديدات متكررة من حركة الشباب الصومالية التي تهاجم أراضيها من حين لآخر، لذلك ترى في أثيوبيا شريكًا موثوقًا في مواجهة الارهاب على حدودها الشرقية.
وتسعى نيروبي لتأكيد مكانتها كقوة اقليمية فاعلة في شرق أفريقيا من خلال توسيع نطاق تحالفاتها الأمنية والعسكرية.
والتعاون مع أثيوبيا يفتح الباب أمام مشاريع البنية التحتية المشتركة مثل ممر لامو–جنوب السودان– أثيوبيا، ما يعزز المصالح الاقتصادية المتبادلة.
ولكن الصومال تنظر إلى الاتفاق بريبة إذ ترى فيه اصطفافًا ضدها في ظل خلافاتها المزمنة مع أثيوبيا ، والسودان ومصر قد تريان في التقارب الأثيوبي الكيني محاولة جديدة لبناء محور داعم لأثيوبيا في أزمة سد النهضة ، وإريتريا التي كانت حليفًا لأبي أحمد قد ترى في الاتفاق تحركًا مضادًا لمصالحها.
ولكن من المرجح أن تحظى الاتفاقية بدعم ضمني من الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا، اللتين تشجعان على بناء ترتيبات أمنية إفريقية خالصة في مواجهة النفوذ الصيني والروسي المتزايد في المنطقة.
وقد تدفع الاتفاقية دولا أخرى إلى إبرام تحالفات مضادة مما يخلق حالة من التنافس العسكري داخل منطقةتعاني أصلًا من الهشاشة الأمنية ، وإذا تفاقمت النزاعات الداخلية في أثيوبيا فقد تجد كينيا نفسها متورطة في صراعات لا تخصها مباشرة ، وبدلاً من أن تكون الاتفاقية عنصر استقرار قد تُفهم كإعادة تشكيل لمحاور القوة في المنطقة مما يزيد من حدة الانقسام.
إذن تعكس اتفاقية الدفاع المشترك بين أثيوبيا وكينيا تحولاً استراتيجياً في الفكر الأمني لكلا البلدين، لكنها أيضًا مؤشر على حالة القلق المتزايد في شرق أفريقيا،فبدلاً من بناء منظومة أمن جماعي تشمل جميع دول المنطقة، تتجه الدول إلى عقد تحالفات ثنائية مؤقتة تحكمها الضرورة السياسية أكثر من الرؤية الاستراتيجية طويلة المدى.
وفي ضوء المشهد الراهن يمكن القول إن استمرار الاتفاق وفاعليته مرتبط بمدى قدرة أثيوبيا على تجاوز أزماتها الداخلية، وقدرة كينيا على التوفيق بين مصالحها الأمنية والاقتصادية دون أن تتحول إلى أداة في مشروع أثيوبي توسعي.


