اللغة العربية ..هوية الأمة ولسان الحضارة. اد علي احمد جاد بدر

اللغة العربية… هوية الأمة ولسان الحضارة
ا د علي احمد جاد بدر. استاذ العلوم السياسية
في الثامن عشر من ديسمبر من كل عام، يحتفي العالم باللغة العربية، إحياءً لذكرى اعتمادها عام 1973م واحدةً من اللغات الرسمية الست في منظمة الأمم المتحدة، إلى جانب الانجليزية والفرنسية والاسبانية والروسية والصينية، ولم يكن هذا الاعتماد إجراءً إداريًا فحسب، بل اعترافًا دوليًا بمكانة اللغةٍ العريقة التى شكّلت عبر القرون وعاءً للحضارة الانسانية، ولسانًا للفكر والعلم والدين والثقافة.
وتُعد اللغة العربية من أقدم اللغات الحية في العالم، وأكثرها قدرة على البقاء والتجدد، إذ ارتبطت بالقرآن الكريم، فحُفظت ألفاظها وتراكيبها، واكتسبت بعدًا روحيًا وثقافيًا تجاوز الحدود الجغرافية، لتصبح لغة ما يزيد على أربعمائة مليون انسان، ولغة الشعائر لأكثر من مليار مسلم حول العالم، وقد منحها هذا الارتباط قوةً استثنائية، جعلتها قادرة على الصمود أمام تحولات الزمن، ومنافسة اللغات العالمية في ميادين الفكر والمعرفة.
وعلى امتداد العصور الاسلامية، كانت العربية لغة العلم الأولى في العالم، كُتبت بها المؤلفات فى الطب والفلك والرياضيات والفلسفة والجغرافيا، ونُقلت عبرها علوم الأمم السابقة إلى أوروبا، فأسهمت اسهامًا مباشرًا في بناء النهضة الغربية الحديثة، ولم تكن العربية لغة نقل فحسب، بل لغة إبداع وإضافة، وأنجبت العلماء والمفكرين الذين أثروا المعرفة الانسانية وأسهموا في تقدمها.
واعتماد اللغة العربية لغةً رسمية في الأمم المتحدة يعكس ثقلها السياسي والحضاري، ويؤكد ارتباطها بقضايا السلم والتنمية والحوار بين الحضارات، فاللغة ليست مجرد أداة للتواصل، بل وعاء للهوية، وجسر للتفاهم بين الشعوب، وحضور العربية في المحافل الدولية يضمن تمثيلًا أوسع لثقافة الأمة العربية وقضاياها العادلة، وفي مقدمتها قضايا التحرر والتنمية والعدالة الدولية.
والاحتفاء باللغة العربية لا يكتمل بالشعارات والمناسبات وحدها، بل يتطلب مشروعًا جادًا للنهوض بها، عبر تطوير المناهج لتعليمها، وتعزيز استخدامها في البحث العلمي والتقنيات الحديثة، وتشجيع الترجمة من وإلى العربية، وربطها بقضايا العصر ومتطلبات التنمية الشاملة، فاللغة التي لا تُستخدم في العلم والاقتصاد والادارة معرضة للتهميش مهما كان تاريخها عريقًا.
ولاشك أن اليوم العالمي للغة العربية مناسبة لتجديد العهد مع لغة الضاد، والدفاع عنها في وجه التحديات، وترسيخ مكانتها في الوعي الفردي والجماعي، باعتبارها عنصرًا أساسيًا من عناصر الأمن الثقافي العربي، فهي ليست مجرد تراثٍ ماضٍ، بل مشروع للمستقبل، وقوة ناعمة قادرة على الاسهام في صناعة عالم أكثر تنوعًا وتوازنًا.
وفي هذا اليوم نؤكد أن العربية ستظل لغةً حية، ما دام أبناؤها مؤمنين بها، عاملين على تطويرها، مدركين أن الحفاظ على اللغة هو في جوهره نوع من الحفاظ على الهوية والوجود والدور الحضاري للأمة في عالم سريع التحول.


