تصويت الأمم المتحدة حول حل الدولتين :الدلالات السياسية وحدود التأثير

تصويت الأمم المتحدة حول حل الدولتين: الدلالات السياسية وحدود التأثير
ا د علي أحمد جاد بدر. استاذ العلوم السياسية
جاء تصويت الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 12 سبتمبر 2025م بشأن دعم خيار حل الدولتين ليعيد هذا الطرح إلى الواجهة من جديد، بعد سنوات من التآكل السياسي والميداني الذي تعرضت له الفكرة على أرض الواقع، وقد أُقرّ القرار بأغلبية كبيرة( 142 دولة أيّدت، مقابل 10 دول عارضت، و12 دولة امتنعت) ورغم أن التصويت حمل في ظاهره تأكيداً على مركزية هذا الحل كخيار دولي، إلا أنه في العمق يعكس جملة من التحديات والمفارقات التي تكشف محدودية الدور الأممي في معالجة جوهر الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي.
فقد أظهر التصويت أن المجتمع الدولي ما زال، من حيث المبدأ، متمسكاً بحل الدولتين باعتباره الصيغة الأقرب للتوافق، ووسيلة للحفاظ على السلم والأمن الدوليين، كما عكس الاصطفافات التقليدية فغالبية دول الجنوب ومعها دول أوروبية كبرى أيّدت القرار، في حين وقفت الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل في طليعة الدول المعارضة، ومعهما الأرجنتين، باراغواي، التشيك، هنغاريا، النمسا، ليبيريا، ميكرونيزيا، وبابوا غينيا الجديدة، أما من حيث الامتناع فقد كان لافتاً موقف القوى الكبرى مثل المملكة المتحدة، ألمانيا، كندا، أوكرانيا، هولندا، أستراليا، وإيطاليا، إضافة إلى الدول الأخرى التى من بينها سويسرا وكينيا وتوغو، وهذا التوزيع يكشف عن استمرار الهوة بين خطاب الشرعية الدولية وإرادة القوى الكبرى التي تتحكم بموازين القوة على الأرض.
ورغم رمزية التصويت وأهميته السياسية والمعنوية للفلسطينيين، إلا أن القرار يبقى غير ملزم ولا يحمل القوة التنفيذية التى يمكن أن تجبر إسرائيل على الانصياع له، بل إن الحكومة الإسرائيلية الحالية تعلن صراحة رفضها لحل الدولتين، وتسير عملياً في مسار مغاير يقوم على التوسع الاستيطاني وتعزيز السيطرة الأمنية، ومن هنا تبدو الفجوة كبيرة بين ما يُصوّت عليه في الأمم المتحدة وما يجري في الواقع الميداني.
والتصويت يشكل دعماً معنوياً للفلسطينيين ورسالة بأنهم ليسوا معزولين دولياً، لكنه لا يعوض غياب الاستراتيجية الفلسطينية الموحدة القادرة على استثمار هذا التأييد.
واستمرار الإدانة الدولية لإسرائيل ولو في الاطار الرمزي يحرج صورتها أمام الرأي العام العالمي، لكنه لا يغير من معادلة القوة التي تستند إليها.
كما أن التصويت يعكس حاجة ملحّة لإصلاح آليات عمل الأمم المتحدة حتى تتحول قراراتها من مجرد التوصيات الأخلاقية إلى أدوات الضغط السياسية والقانونية الحقيقية.
وأخيرا يبقى مستقبل حل الدولتين مرهوناً بعدة عوامل، منها موقف الإدارة الأميركية القادمة، والتحولات في موازين القوى الاقليمية، إضافة إلى قدرة الفلسطينيين على بناء موقف سياسي موحد يعيد ترتيب أوراقهم، وفي المقابل فإن استمرار إسرائيل في فرض الوقائع على الأرض قد يجعل من هذا الحل خياراً نظرياً يتآكل مع مرور الوقت.
إذن يمكن القول إن تصويت الأمم المتحدة لصالح حل الدولتين لا يمكن اعتباره انتصاراً بقدر ما هو تذكير بمأزق الشرعية الدولية في ظل اختلال موازين القوى، فالمجتمع الدولي يملك القدرة على التعبير لكنه عاجز عن التنفيذ، وما لم يتم تفعيل آليات دولية أكثر إلزاماً، أو بناء التحالفات السياسية الضاغطة، سيظل حل الدولتين شعاراً معلقاً بين خطاب الشرعية وواقع القوة.
وعلى الصعيد العربي فإن التصويت يضع أمام الدول العربية فرصة لإعادة صياغة الموقف الجماعي الأكثر فاعلية الذى لا يكتفي بالدعم الدبلوماسي والبيانات التضامنية بل يتجه نحو بناء التحالفات السياسية والاقتصادية التى تضغط في اتجاه فرض احترام القرارات الدولية، فالقضية الفلسطينية ما تزال اختباراً حقيقياً لقدرة النظام العربي على العمل المشترك، ومقياساً لمدى التوازن بين الشعارات والممارسة الفعلية.


