الطريق الى السلام العالمي

الطريق إلى السلام العالمي
ا د علي أحمد جاد. استاذ العلوم السياسية
منذ أكثر من عامين، والعالم كله يتابع عن كثب الدور المصري المتزن والعميق في واحدة من أعقد قضايا العصر(القضية الفلسطينية) فبين تصاعد العنف وتراجع الأمل في الحلول العادلة، كانت القاهرة تمسك بخيوط التوازن، وتحاول أن تحفظ ما تبقّى من منطق في شرقٍ يشتعل، وأن تفتح أبواب الأمل أمام شعوبٍ أنهكتها الحروب والانقسامات.
ومنذ عام 2023م حين اندلعت المواجهات العنيفة في غزة وما تلاها من كوارث إنسانية غير مسبوقة، لم تغب مصر يوماً عن المشهد فكانت أول من بادر إلى الدعوة للتهدئة، وأول من استقبل الوفود، وأول من فتح معبر رفح أمام القوافل الإنسانية في وقتٍ آثر فيه كثيرون الصمت أو الانسحاب، ولم يكن ذلك موقفاً عاطفياً أو سياسياً مؤقتاً بل امتداداً لدور تاريخي رسخته مصر منذ عقود بوصفها مركز الثقل العربي والعقلي في إدارة الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي.
ولم يكن دور مصر مقتصراً على الوساطة السياسية بل تعدّاه إلى هندسة المشهد الاقليمي برؤية تقوم على حفظ استقرار الدولة الوطنية في المنطقة، ومنع تفككها تحت وطأة الحروب بالوكالة أو النزاعات الطائفية، فالقاهرة وهي تدير الملف الفلسطيني بحكمة، كانت في الوقت ذاته تحمي جبهتها الداخلية، وتؤكد أن قوة مصر واستقرارها هما الضمانة الحقيقية لأي سلام عربي أو عالمي.
ولقد أدركت القيادة المصرية أن السلام ليس مجرد اتفاقيات أو هدنٍ مؤقتة، بل منظومة من القيم والالتزامات الإنسانية والسياسية التي تبدأ من حماية الإنسان وكرامته، وتمتد إلى تحقيق العدالة والاحترام المتبادل بين الشعوب،ومن هنا جاءت رؤية مصر في الأمم المتحدة، والجامعة العربية، والاتحاد الإفريقي، مؤكدة أن السلام العادل لا يمكن أن يتحقق ما لم تُرفع المظالم عن الشعب الفلسطيني، وما لم تُستعاد الحقوق وفق قرارات الشرعية الدولية وأدناه حل الدولتين.
ومع كل جولة تصعيد كانت القاهرة تبقى سداً منيعاً أمام محاولات توسيع دائرة الحرب، وتعمل على استعادة لغة الحوار حين تصمت المدافع، فقد أصبحت مصر عن جدارة مرجعية كل الأطراف بما تمتلكه من مصداقية تاريخية ووزنٍ سياسي، وشبكة تواصل دولي تجعل صوتها مسموعاً في واشنطن كما في موسكو، وفي العواصم العربية كما في الأمم المتحدة.
ولعل العالم اليوم يدرك أن الطريق إلى السلام العالمي لا يبدأ من واشنطن أو بروكسل، بل من القاهرة؛ من أرضٍ تعرف معنى الحرب وتقدّر قيمة السلام، ففي مصر تلتقي الحكمة بالتاريخ، والعقل بالمسؤولية، والقدرة بالفعل. ومن هنا، فإن من يسعى إلى سلامٍ حقيقي في الشرق الأوسطلا بد أن يمر أولاً من القاهرة، لأنها لم تكن يوماً طرفاً في الصراع، بل كانت وما زالت بوابة العدل وركيزة السلام.
فلقد حافظت مصر خلال عامين حاسمين من 2023معلى تماسك الدولة في زمن الاضطراب، وعلى حضور القضية الفلسطينية في زمن النسيان، كما إنها تؤكد أن السلام العادل ليس خياراً سياسياً فحسب، بل رسالة إنسانية تحملها القاهرة نيابة عن أمةٍ بأكملها، إيماناً منها بأن أمن العالم يبدأ من أمن المنطقة، وأن الطريق إلى السلام العالمي يمر – بلا شك – من قلب القاهرة.


