بين الدولة والفكرة مصر وايران في اختبار البقاء. ا د علي احمد جاد بدر استاذ العلوم السياسية

بين الدولة والفكرة: مصر وايران في اختبار البقاء.
في لحظات التحولات الكبرى لا تُقاس الدول فقط بقوة جيوشها أو ثرواتها، بل بقدرة نخبها الحاكمة على اتخاذ القرارات الصعبة، قد تصل إلى حد التضحية بجزء من التاريخ أو حتى بكل التاريخ، من أجل الحفاظ على كيان الدولة ذاته، وهنا تبرز المقارنة التاريخية ذات دلالة عميقة بين التجربة المصرية والتجربة الايرانية، حيث تتباين فلسفة الحكم ومفهوم البقاء بشكل جذري.
ومنذ نشأة الدولة المصرية الحديثة في عهد محمد علي، تشكلت عقيدة سياسية غير مكتوبة مفادها أن الدولة أولًا،وهذه العقيدة لم تكن مجرد شعار، بل تحولت إلى ممارسة تاريخية عبر مراحل مختلفة، سواء في لحظات الانكسار أو إعادة البناء.
فعقب نكسة 1967م، لم تتردد القيادة المصرية في مراجعة خطابها السياسي والعسكري، بل وتغيير استراتيجياتها بالكامل، وصولًا إلى إعادة بناء الجيش وخوض حرب أكتوبر 1973م، ثم جاءت لحظة أكثر حساسية مع اتفاقية السلام، حيث اختارت القيادة المصرية آنذاك مسارًا أثار جدلًا عربيًا واسعًا، لكنه في جوهره كان تعبيرًا عن أولوية استعادة الأرض والحفاظ على الدولة، حتى وإن كان الثمن هو القطيعة المؤقتة مع محيطها العربي.
وفي مرحلة لاحقة ومع التحولات التي شهدتها مصر بعد 2011م، عادت المؤسسة الوطنية لتؤكد نفس القاعدة: الحفاظ على الدولة حتى لو تطلب ذلك إجراءات قاسية أو قرارات غير شعبية، وهنا لا يُنظر إلى التاريخ كعبء مقدس، بل كرصيد يمكن إعادة قراءته أو حتى التضحية ببعض سردياته إذا كان ذلك يضمن بقاء الكيان.
وفي المقابل تقدم التجربة الايرانية نموذجًا مغايرًا، حيث تهيمن فكرة النظام العقائدي على مفهوم الدولة، منذ ثورة 1979م، لم تعد الدولة الايرانية مجرد كيان سياسي، بل أصبحت تجسيدًا لمشروع أيديولوجي قائم على ولاية الفقيه، وهو مشروع يتجاوز حدود الدولة الوطنية إلى طموح أممي.
وفي هذا السياق تصبح الدولة أداة لخدمة الفكرة، وليس العكس، ولذلك لا تتردد القيادة الايرانية في توظيف موارد الدولة، بل والتضحية برفاهية الشعب واستقراره الاقتصادي، من أجل الحفاظ على النظام العقائدي وتوسيع نفوذه الاقليمي.
والعقوبات الاقتصادية التي أثقلت كاهل المواطن الايراني، والتدخلات الاقليمية المكلفة في أكثر من ساحة، ليست سوى انعكاس لهذه الأولوية، فبقاء النظام هنا يتقدم على بقاء الدولة بمعناها التقليدي، بل وحتى على مصالح الشعب نفسه.
وإذا أردنا تلخيص الفارق الجوهري، يمكن القول إن:
في مصر: التضحية قد تطال الخطاب والتاريخ والرمزية، لكن الهدف هو بقاء الدولة.
وفي إيران: التضحية قد تطال الشعب والموارد، لكن الهدف هو بقاء النظام.
وهذه المعادلة تعكس اختلافًا عميقًا في فلسفة الحكم:
فمصر تمثل نموذج الدولة البراغماتية التي تعيد تشكيل نفسها وفق مقتضيات البقاء.
وإيران تمثل نموذج الدولة العقائدية التي تعيد تشكيل المجتمع والدولة وفق مقتضيات الفكرة.
وهذه المقارنة لا تحمل حكمًا أخلاقيًا بقدر ما تكشف عن نمطين من التفكير السياسي:
النمط المصري الذى يراهن على الاستمرارية التاريخية للدولة، حتى لو تغيرت السياسات والتحالفات.
والنمط الايراني الذى يراهن على استمرارية المشروع الأيديولوجي، حتى لو تعرضت الدولة نفسها للضغوط أو الأزمات.
وفي عالم تتزايد فيه التهديدات المركبة، من حروب غير تقليدية إلى أزمات اقتصادية عابرة للحدود، يصبح السؤال أكثر إلحاحًا:
هل بقاء الدولة مرهون بالمرونة السياسية، أم بالثبات العقائدي؟
والتاريخ لا يرحم الدول التي تفشل في الإجابة عن سؤال البقاء.
وبينما اختارت مصر أن تضحي ببعض من رواياتها من أجل الحفاظ على كيانها، اختارت إيران أن تضحي بالكثير من مواردها وشعبها من أجل الحفاظ على نظامها.
وفي الحالتين تبقى النتيجة مفتوحة على المستقبل، حيث لا يُحسم الصراع بين الدولة والفكرة إلا بقدرة كل نموذج على الاستمرار في مواجهة التحديات.
لكن المؤكد أن الشعوب، في نهاية المطاف، هي من تدفع الثمن… وهي أيضًا من تكتب الفصل الأخير.


