العنوسة …حين يشيخ الوعي قبل الزمن /بقلم الكاتبة امل بطرس ميخائيل

العنوسة… حين يشيخ الوعي قبل الزمن
بقلم الكاتبة: أمل بطرس ميخائيل
كانت تلك هي المرة الأولى التي طُلب مني فيها أن أكتب عن “مشكلة العنوسة”.
صُعقت، لا لأن الموضوع غريب، بل لأن الكلمة ذاتها ما زالت تُستخدم في مجتمعاتنا العربية حتى اليوم لوصف النساء غير المتزوجات فقط، بينما لا تُطلَق على الرجال الذين لم يتزوجوا أبدًا.
في اللغة العربية القديمة، تحمل كلمة «عَنَسَ» معنيين أساسيين.
المعنى الأول: اللبث في المكان؛ أي البقاء دون حركة أو تغيير حال. فيقال: عَنَسَ بالمكان، أي مكث فيه طويلًا.
أما المعنى الثاني فجاء من قولهم: عَنَسَت الناقة، أي طال بها الزمن حتى صارت غير قادرة على التلقيح أو الإنجاب، ولا تصلح للركوب. ومن هذا المعنى نشأ التشبيه المجازي بين المرأة والناقة، إذ نُقل المعنى من الجمود المكاني إلى الجمود الاجتماعي. وهكذا صار لفظ “عانس” يُستخدم للمرأة التي طال بها العمر دون زواج — في تشبيهٍ قاسٍ وغير إنساني.
ولا قسوة أشد من أن يُختزل كيان المرأة في رحمٍ لم يُستخدم بعد- لتعنس عقلية المجتمع ليومنا هدا. .
لكن لنسأل أنفسنا بصدق: هل وجود فتاة غير متزوجة في بيت أهلها يُعد مشكلة؟
الوضع نفسه ليس مشكلة إنما النظرة التي تحيط بالفتاة، ، نظرة مجتمعٍ حكم على المرأة من خلال وضعها العائلي لا من خلال قيمتها وإنجازها.
اليوم يوجد كثير من النساء متعلمات و مثقفات، يفوقن في الوعي والقدرة رجالًا لم يتعلموا القراءة والكتابة، فكيف يُطلب من فتاة أن ترتبط برجلٍ لا يشاركها فكرًا ولا أفقًا، فقط لأنه “رجل”؟
في حياتي لم أجد امرأة ندمت لأنها لم تتزوج، لكنني رأيت كثيرات نادمات لأنهنّ تزوجن من الشخص الخطأ.
تأخر الزواج ليس مشكلة، إنما المشكلة في أن المجتمع نفسه هو من عَنِسَ — مكث في مكانه دون تطور، متمسكًا بأفكاره القديمة التي تربط الاحترام بالزواج والكرامة بالزوج.
الزواج ليس فرضًا ولا شهادة صلاحية اجتماعية، بل هو اختيار حرّ.
ومن لم تجد من يليق بها، أو من اختارت الاستقلال، أو من حالت ظروفها دون الزواج، لا تقل شأنًا عن أي متزوجة.
فكيف يُعقل أن تُنظَر المرأة غير المتزوجة كناقصة؟
في الماضي، كانت الفتاة غير المتزوجة عماد البيت، والأم الثانية، والمشعل الذي لا ينطفئ. كانت صوت الحكمة ورمز العطاء.
أما اليوم، فيُنظر إليها كعبء، وكأنها كائن ينتظر من يُنقذه بخاتم!
المرأة ليست تابعة للرجل، والرجل ليس محور حياتها. على العكس، كثير من النساء غير المتزوجات وجدن في وحدتهنّ قوةً وسكينة، بينما كثير من المتزوجات يعشن في وحدةٍ أعمق داخل الزواج ذاته.
منذ طفولتنا يُقال لنا إن مكان المرأة في البيت لخدمة الزوج، وإنها بلا رجل لا تُرى. وإن لم تتزوج تُعامَل كميراثٍ يُوزَّع بين الإخوة، أو تُذلّ باسم “العيب”. فأين كرامتها إذن؟
ومع ذلك، تحررن كثير من النساء من هذا القيد، وعشن حياتهنّ بامتلاءٍ، وحبٍّ، وإنجاز. لم تعد “الغير متزوجة – عانسه في مكانها سجينة الانتظار، بل أصبحت امرأة فاعلة في مجتمعها، تثبت أن الأنثى لا تحتاج زواجًا لتثبت وجودها، بل تحتاج فقط وعيًا بنفسها
حين يستردّ المجتمع وعيه، ستتغيّر لغته، وسيدرك أن المرأة ليست ظلًّا لأحد.
المشكلة لم تكن يومًا في عدم الزواج، بل في المرأة التي عنست مكانها، و أصبحت أسيرة للخوف، لا تعرف قيمتها، عكس المرأة التي قالت “لا” دون اعتذار، فحوّلها المجتمع إلى “مشكلة، خوفا في أن يفقد الرجال دورهم و مكانتهم .
الحقيقة البسيطة
عدم الزواج ليس مرضًا، ولا فشلًا، ولا نقصًا، بل هو حالة من التصالح مع الذات.
قبل أن تفكر الفتاة في الزواج، عليها أن تسأل نفسها: لماذا أريد الزواج؟
هل لأجد الاحترام؟ أم لأتخلّص من سلطة الأهل؟ أم لأعيش حياة مادية أفضل؟
و الغريب هو أن الأمهات اللواتي يعانين من زواجٍ مؤلم هن أنفسهن يصررن على تزويج بناتهن بنفس الطريقة ذاتها، ، وكأنهن يورثن الألم بدلًا من الوعي
اليوم دعونا نؤمن أن قيمة المرأة لا تُقاس بزواجها، بل بما تمنحه الحياة لها من كرامة ووعي وإنسانية.


