بين فكي التطرف :غزة في ذكرى 7اكتوبر … ضحية الأصوليتين. ا د علي أحمد جاد بدر

بين فكي التطرف: غزة في ذكرى 7 أكتوبر… ضحية الأصوليتين
في ذكرى السابع من أكتوبر، تتجدد المأساة الفلسطينية بكل تفاصيلها الدامية، لا كحدث عابر، بل كمرآة تعكس عمق الانقسام والضياع بين أصوليتين متطرفتين: أصولية الاحتلال الصهيوني المدججة بالقوة والنار، وأصولية فصائلية ضيقة اختزلت القضية في شعارات وشهوات سلطة، فوقع الشعب الفلسطيني في غزة ضحية بين نارين لا ترحمان.
سبعون عاماً من الاحتلال لم تخلُ من المقاومة ولا من المعاناة، لكن ما شهدته غزة منذ السابع من أكتوبر 2023 تجاوز حدود المأساة الإنسانية والسياسية، إذ تحوّل القطاع إلى ساحة تصفية حسابات بين أطراف تستخدم الدم الفلسطيني وقوداً لبقائها، فالاحتلال الإسرائيلي وجد في هجوم حماس ذريعة مثالية لتدمير كل مقومات الحياة في القطاع، فيما وجدت الحركة نفسها تُدافع عن خياراتها العقائدية مهما كان الثمن، متجاهلة أن الشعب هو من يدفع الفاتورة من دمه وكرامته ومستقبله.
ولقد دفعت غزة ثمن الصراع بين مشروعين مغلقين: مشروع ديني أصولي لا يرى في الوطن إلا إمارة تتحالف مع القريب والبعيد لتحقيق مصالحها، ومشروع استيطاني استعماري يرى في الأرض وعداً توراتياً، وكلاهما يستخدم النص المقدس لتبرير القتل، وكلاهما يرفع شعار الله بينما يمارس أبشع صور الجريمة ضد الإنسان، وبينهما شعب أعزل يعيش بين الركام، يبحث عن مأوى وماء ودواء، بينما يتحدث الطرفان عن النصر الإلهي لا يراه أحد سوى في الخطابات.
تحت هذا الخراب، تراجعت غزة عقوداً إلى الوراء،أجيال كاملة فقدت مدارسها، ومؤسساتها، ومصادر رزقها،آلاف الأطفال بلا مأوى ولا تعليم، ومئات الآلاف من الأسر بين النزوح واليأس، لم تبقَ بنية تحتية إلا ودُمرت، ولا بيت إلا ولبس ثوب الحداد، ومع ذلك يواصل المتطرفون من الجانبين ادعاء النقاء الأخلاقي والحق المطلق.
إن ذكرى 7 أكتوبر ليست لحظة انتصار كما يزعم البعض، بل هي لحظة تأمل في مأساة أمة سمحت للأصوليات بأن تتكلم باسمها، فدفعت ثمن الصمت والتبعية والخطاب العاطفي، ولقد آن الأوان لفهم أن القضية الفلسطينية أكبر من حماس وأقدم من الاحتلال، وأن خلاصها لن يكون إلا بخطاب وطني عقلاني جامع، يُعيد للفلسطينيين إنسانيتهم قبل أرضهم، ويُخرجهم من دائرة الدمار إلى أفق الدولة والكرامة.
وما بين تطرف يقتل باسم الدين، وتطرف يقتل باسم الأمن ضاعت غزة، وضاع معها مشروع التحرير الوطني الحقيقي. وستبقى ذكرى 7 أكتوبر تذكرة موجعة بأن الدم الفلسطيني لا يجب أن يكون وسيلة لأحد، بل غاية لحياة كريمة في وطن حر.


