قضية كفاح الكرد الفيليين ..جرح مفتوح في الذاكرة العراقية. بدور عباس

قضية كفاح الكرد الفيليين: جرح مفتوح في الذاكرة العراقية
بدور عباس
يشكل الكرد الفيليون جزءًا أصيلًا من النسيج الوطني العراقي، حيث يعود وجودهم في العراق إلى قرون طويلة، خاصة في المناطق الوسطى والجنوبية من البلاد، مثل بغداد، خانقين، الكوت، بدرة وجصان، وقد لعبوا دورًا مهمًا في الاقتصاد العراقي، لاسيما في مجالات التجارة والصناعة.
ومع ذلك، فإن هذه الشريحة العريقة تعرضت عبر التاريخ، وخصوصًا في عهد النظام البعثي، إلى سلسلة من المظالم والانتهاكات التي شكلت واحدة من أبشع حملات التطهير العرقي والطائفي في تاريخ العراق الحديث.
من هم الكرد الفيليون؟
الكرد الفيليون هم أكراد يتحدثون اللهجة الكُردية الفيلية، وينتمون في الغالب إلى المذهب الشيعي. يشكلون حلقة وصل بين الهوية القومية الكردية والانتماء المذهبي الشيعي، وهو ما جعلهم في مرمى الاستهداف المزدوج، سواء من الأنظمة التي عادت الأكراد، أو تلك التي حاربت الشيعة.
حملات التهجير والاضطهاد في عهد صدام حسين
في أواخر السبعينيات وحتى منتصف الثمانينيات، شنّ نظام صدام حسين حملات شرسة ضد الكرد الفيليين. تم خلالها:
• سحب الجنسية العراقية من عشرات الآلاف منهم بدعوى “التبعية الإيرانية”، رغم أن غالبيتهم وُلدوا في العراق وكانوا يحملون الجنسية العراقية أبًا عن جد.
• تهجير قسري لأكثر من 500,000 كردي فيلي إلى إيران، حيث واجهوا ظروفًا معيشية قاسية.
• اعتقال عشرات الآلاف من الشباب الفيليين، والذين لا يزال مصير الكثير منهم مجهولًا حتى اليوم، ويُعتقد أنهم أُعدموا في السجون أو في حملات الإبادة.
• مصادرة ممتلكاتهم وأموالهم، بما في ذلك العقارات والمحال التجارية، ولم تُعاد إليهم حتى بعد سقوط النظام في 2003.
ما بعد 2003: اعترافات دون إنصاف
بعد سقوط النظام، اعترف العراق رسميًا بالظلم الذي وقع على الكرد الفيليين، واعتبرهم ضحايا للاضطهاد السياسي والعرقي. وقد صدر قرار من المحكمة الجنائية العراقية العليا في عام 2010 باعتبار ما جرى لهم “جريمة إبادة جماعية (جينوسايد)”.
إلا أن الاعتراف القانوني لم يُترجم بشكل فعلي إلى إجراءات عملية، فلا تزال شريحة واسعة من الكرد الفيليين محرومة من استعادة ممتلكاتها أو الحصول على تعويضات عادلة، كما لم يُحسم ملف المفقودين، ولا يزال الكثير منهم يجهل مصير أحبائه.
كفاح مستمر من أجل العدالة
رغم مرور عقود على ما تعرض له الكرد الفيليون، فإنهم لا يزالون يناضلون من أجل استعادة حقوقهم، وتحقيق العدالة لضحاياهم. تنشط منظمات مدنية وحقوقية في العراق وخارجه لرفع صوت هذه القضية، والعمل على توثيق الانتهاكات وتقديمها إلى المحافل الدولية.
كما يسعى أبناء هذه الشريحة، سواء من خلال مشاركتهم في الحياة السياسية أو عبر الفعاليات الثقافية والإعلامية، إلى الحفاظ على هويتهم، وإحياء ذاكرة شهدائهم، والمطالبة بإنصافهم كضحايا وطنيين لا كقضية هامشية.
الخلاصة
قضية الكرد الفيليين ليست فقط مأساة إنسانية، بل هي جزء من التاريخ السياسي العراقي الذي لا يمكن تجاوزه. إنصافهم ليس منّة، بل واجب وطني وأخلاقي يعيد الاعتبار لشريحة ظلمها التاريخ، وآن الأوان أن تجد لها موضعًا في ضمير الدولة والمجتمع العراقيين.


