أين نصر في هذا الواقع المرتبك ؟ إد علي احمد جاد بدر

أين مصر في هذا الواقع المرتبك؟
ا د علي احمد جاد بدر استاذ العلوم السياسية
لم يعد العالم فقط مرتبطًا كما كان يوصف في أدبيات العولمة، بل أصبح مرتبكًا إلى حد الفوضى المنظمة، حيث تتداخل الأزمات، وتتشابك الصراعات، وتختلط الأولويات في مشهد دولي يفتقر إلى اليقين، وفي هذا السياق المضطرب، يبرز السؤال الملحّ: أين تقف مصر وسط هذا الارتباك العالمي؟ وكيف تدير موقعها في زمن تتآكل فيه الثوابت؟
والواقع الدولي الراهن لا تحكمه القواعد المستقرة، بل تحكمه التحولات المتسارعة: الصراعات المفتوحة، التوازنات الهشة، التحالفات المؤقتة، والاقتصاد العالمي الذى يعاني من الاختلالات الهيكلية.
ولقد تراجعت فكرة النظام الدولي المنظم لتحل محلها حالة من اللانتظام، حيث تتقدم المصالح على القيم، وتتصدر البراغماتية على حساب المبادئ.
وفي قلب هذا المشهد تتحرك مصر وفق معادلة دقيقة تجمع بين الحذر والمبادرة، فهي تدرك أن الانخراط غير المحسوب في صراعات الاقليم قد يكلفها استقرارها الداخلي، لكنها في الوقت ذاته لا تستطيع الانسحاب من محيطها الحيوي، ومن هنا تبدو السياسة المصرية أقرب إلى ادارة التوازنات منها إلى حسم الخيارات.
واقليميًا تجد مصر نفسها أمام بيئة معقدة: الأزمات الممتدة في عدد من الدول العربية، التحولات في موازين القوى، والتدخلات الدولية المتزايدة التى تعيد رسم خرائط النفوذ، وفي هذا السياق تسعى مصر إلى الحفاظ على مفهوم الدولة الوطنية، باعتباره السد الأخير في مواجهة الفوضى، وهو موقف يعكس الرؤية الاستراتيجية التى تتجاوز الحسابات الآنية.
ودوليًا تتعامل مصر مع واقع متعدد الأقطاب قيد التشكل، حيث لم تعد الهيمنة حكرًا على قوة واحدة، بل أصبحت موزعة بين القوى الكبرى التى تتنافس أحيانًا وتتصادم أحيانًا أخرى، وفي هذا الاطار، تعتمد مصر سياسة المرونة الاستراتيجية، التي تتيح لها الحفاظ على العلاقات المتوازنة مع مختلف الأطراف، دون الانجرار إلى الاستقطابات الحادة.
غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في التعامل مع الخارج، بل في تعزيز الجبهة الداخلية، ففي عالم مرتبك، تصبح قوة الدولة من تماسكها الداخلي، وقدرتها على الصمود أمام الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، ومن هنا فإن أي دور اقليمي فاعل لمصر يظل مرهونًا بمدى نجاحها في تحقيق الاستقرار الاقتصادي المستدام، وبناء النموذج التنموي القادر على الاستجابة لتطلعات المجتمع.
ومصر في هذا الواقع المرتبك ليست دولة غائبة، لكنها أيضًا ليست في الموقع الذي يوازي ثقلها التاريخي، فهي تقف في المنطقة الوسطى بين الامكانات الكبيرة والتحديات المتراكمة، بين الطموح المشروع والقيود الواقعية.
وفي ظل هذا الارتباك، لا يكون السؤال فقط: أين مصر؟ بل: كيف يمكن لمصر أن تعيد تموضعها؟
والاجابة تكمن في الانتقال من رد الفعل إلى الفعل، ومن إدارة الأزمات إلى صناعة الفرص، ومن التكيف مع الواقع إلى التأثير فيه فالعالم المرتبك لا يكافئ الدول المترددة، بل يفتح المجال أمام القوى التي تمتلك الرؤية الواضحة، والإرادة السياسية الحاسمة.
ومصر بما تملكه من تاريخ وموقع وإمكانات، قادرة على أن تتحول من متأثر بارتباك النظام الدولي إلى فاعل يسهم في إعادة صياغته إذا ما أحسنت قراءة اللحظة، واتخذت القرار.


