الفاشر التاريخية بين أنياب المرتزقة…سقوط المدينة وفضيحة راعي البقر. ا د علي أحمد جاد بدر

الفاشر التاريخية بين أنياب المرتزقة… سقوط المدينة وفضيحة راعي البقر
سقطت الفاشر عاصمة دارفور التاريخية، في يد مليشيات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو المعروف بـحميدتي، في مشهدٍ يعيد إلى الأذهان فصول المأساة السودانية الممتدة منذ عقود، حين يتحول الوطن إلى غنيمةٍ في يد من لا يملكون من التاريخ سوى العنف، ومن الحاضر سوى الولاء للخارج.
ولقد كانت الفاشر بما تمثله من رمزية تاريخية كعاصمةٍ لسلطنة دارفور، شاهدةً على قرونٍ من الحضارة الأفريقية الاسلامية، ومركزًا للتجارة والثقافة والعلم، لكنّ هذا الارث العريق سقط اليوم تحت أقدام المرتزقة الذين لا يعرفون معنى الأرض ولا شرف الانتماء.
وإنّ سقوط الفاشر ليس مجرد حدث عسكري في حربٍ عبثية بل هو ضربة في صميم الذاكرة الوطنية السودانية،والمدينة التي كانت تحتضن الأسواق القديمة والمساجد التاريخية أصبحت اليوم ساحةً للفوضى، والنهب، والدماء، بعدما أحاطت بها قوى السلاح التي لا تعترف بالقانون ولا بالسيادة.
وأما حميدتي الذي جاء من عالم الرعي والبداوة ليتحكم بمصير أمة، فقد كشف مجددًا عن وجه راعي البقر الذي يتعامل مع الوطن كقطيع ومع الشعب كغنيمة، لم يكن يومًا مشروعًا وطنيًا بل أداة في مشروع إقليمي ودولي يسعى لتمزيق السودان وتفريغه من قيمه وهويته.
والسؤال اليوم: كيف تُترك مدينةٌ الفاشر ذات الثقل التاريخي والانساني بلا حمايةٍ كافية؟ وكيف يُسمح لمليشياتٍ مشبوهة أن تفرض منطقها على الدولة؟ وإنّ هذا المشهد المأساوي يكشف عن عجز النخبة السودانية وتواطؤ القوى الاقليمية، وصمت المجتمع الدولي الذي لا يرى من السودان إلا مصالحه الجيوسياسية.
ولقد آن الأوان لأن يستيقظ الضمير السوداني والعربي والأفريقي معًا، فالسكوت عن هذه الجرائم يعني السماح بتكرارها في مدنٍ أخرى، والفاشر اليوم ليست مجرد مدينةٍ سقطت بل رمز لوطنٍ يُساق نحو المجهول على يد من لا يعرفون قيمة التاريخ ولا معنى الدولة.
وإنّ التاريخ لن يرحم أولئك الذين فرّطوا في دارفور، ولن ينسى أن سقوط الفاشر لم يكن هزيمةً عسكرية فقط بل هزيمة أخلاقية ومعنوية لمشروع الدولة السودانية الذي حلم به الأحرار منذ الاستقلال.
والفاشر ستنهض من جديد كما نهضت مدن الحضارة من قبلها، لكن وصمة العار ستبقى على جبين كل من باعها أو صمت على جراحها.


