إعلام يكرس التفاهة ..ضيوف أميون على الهواء ومقدمو برامج بلا حزم د جواد التونسي

إعلام يكرس التفاهة ” ضيوف أميون على الهواء ومقدمو برامج بلا حزم “
د. جواد التونسي
يثير الاستغراب والأسف معا أن تصر بعض البرامج التلفزيونية على استضافة أشخاص يفتقرون إلى أبسط قواعد الحوار، فيحولون النقاش إلى فوضى كلامية، ويستبدلون الحجة بالصوت العالي، والرأي بالإساءة، فهؤلاء الضيوف لا يملكون فكرا يناقَش، ولا لغة تحترم، ومع ذلك يمنحون منابر واسعة على الهواء مباشرة، والمشكلة لا تكمن في اختلاف الآراء، بل في تسويق الجهل بوصفه رأيا، والتطاول بوصفه جرأة، والأسوء من ذلك أن بعض هذه البرامج تبدو وكأنها تبحث عن الإثارة الرخيصة لا عن الوعي، فتستبدل المختص بالمشاغب، والعقلاني بالصاخب، ويبقى السؤال المشروع هو: كيف نطلب من المشاهد احترام الحوار، فيما تقدم له الشاشات نماذج تستخف بالعقل وتسيء للكلمة؟ إن الإعلام الذي لا يحسن اختيار ضيوفه، ولا يضبط لغة الحوار، يشارك عن قصد أو عن تقصير في هدم الذوق العام وإفراغ الرسالة الإعلامية من معناها، لم تعد بعض الشاشات التلفزيونية منابر للحوار الرصين، بل تحول بعضها إلى مساحة ترتكب فيها إساءات لفظية على الهواء مباشرة، حين يتجاوز الضيف حدود الرأي إلى التطاول والتجريح، إن إساءة الضيف على الشاشة لا تعد رأياً حراً، بل خرقاً لأخلاقيات الحوار والإعلام، وتشويهاً لدور المنصة التي يفترض أن تكون أداة وعي لا ساحة إسفاف، حيث تشهد بعض الفضائيات العراقية، ولا سيما البرامج الحوارية والسياسية، تصاعداً مقلقاً في أسلوب الغلط والسب والشتم بين المتحاورين، حتى تحول الحوار من مساحة لتبادل الآراء إلى ساحة صراع لفظي وتصفية حسابات شخصية، تبث على الهواء مباشرة أمام الرأي العام، وتعتبر هذه الظاهرة لا يمكن اختزالها في كونها “انفعالات عابرة أو سخونة نقاش”، بل تعكس خللاً عميقاً في ثقافة الحوار، وضعفاً في الالتزام بأخلاقيات الإعلام والمسؤولية المهنية، فالمتحاور الذي يلجأ إلى الشتيمة بدل الحجة، إنما يعلن إفلاسه الفكري قبل أن يسيء إلى خصمه، وتعود أسباب هذا الانحدار الخطابي إلى عدة عوامل، أبرزها: الاستقطاب السياسي الحاد الذي حول الخلاف في الرأي إلى خصومة شخصية، في غياب الضوابط المهنية الصارمة داخل بعض القنوات، أو التساهل المتعمد بدافع رفع نسب المشاهدة، ضعف دور مقدم البرنامج في إدارة الحوار وفرض النظام والاحترام، انعكاس الاحتقان الاجتماعي على الخطاب الإعلامي، حيث تنتقل لغة الشارع الغاضب إلى الشاشة، إن استمرار هذا النهج يخلف آثاراً خطيرة، منها: تشويه صورة الإعلام العراقي أمام الجمهور المحلي والعربي والدولي، تغذية ثقافة الكراهية والعنف اللفظي داخل المجتمع، إضعاف ثقة المشاهد بالبرامج الحوارية بوصفها مصدراً للفهم لا للتشنج ، تقديم نموذج سلبي للشباب في كيفية إدارة الخلاف، الحاجة إلى تصحيح المسار، حيث ان الإعلام ليس ساحة ملاكمة، بل منبر وعي ومسؤولية، ومن هنا، تبرز الحاجة الملحة إلى: تفعيل مواثيق الشرف الإعلامي ومحاسبة من يتجاوزها، تمكين مقدمي البرامج من أدوات إدارة الحوار المهني، اختيار الضيوف على أساس الكفاءة لا الإثارة، ترسيخ ثقافة الاختلاف المحترم بوصفها علامة قوة لا ضعف ،ان الغلط والسب والشتم لا يبني وطناً، ولا يصنع رأياً عاماً واعياً، بل يوسع الفجوة بين المختلفين، ويبقى الإعلام العراقي أمام اختبار حقيقي: إما أن يكون جزءاً من الحل، أو شريكاً في تعميق الأزمة، ختاماً : تعتبر استضافة ضيوف يفتقرون إلى الوعي وأدبيات الحوار لا تُسيء إلى خصومهم بقدر ما تُسيء إلى القناة نفسها، فالشاشة التي تروج للجهل تفقد رسالتها، وتخسر احترام جمهورها، لأن الإعلام الحقيقي يقاس بما يقدمه من وعي لا بما يثيره من ضجيج.


