خطر التقسيم غير المعلن في الشرق الأوسط ا د علي احمد جاد بدر

خطر التقسيم غير المعلن في الشرق الأوسط
يشهد الشرق الأوسط مرحلة بالغة الخطورة، لا تتجلى في إعلان الخرائط الجديدة أو توقيع اتفاقات التقسيم الرسمية، بل في ما يمكن تسميته بـالتقسيم غير المعلن، وهو نمط جديد من تفكيك الدول، يتم بدون القرارات الدولية الواضحة، ولكن بوقائع ميدانية تفرض نفسها مع مرور الوقت.
وهذا النمط لا يقوم على إعلان الدول المستقلة، وإنما على إضعاف الدولة المركزية، وتعدد مراكز القوة، وظهور الكيانات المسلحة أو السياسية التى تدير مناطق بعينها، وتتصرف وكأنها دولة داخل الدولة.
وفي اليمن، لم يعد الحديث عن وحدة الدولة يعكس الواقع الميداني، فالشمال يخضع لسلطة الحوثيين، بينما يتجه الجنوب بخطى ثابتة نحو الانفصال الفعلي، حتى وإن تأجل الإعلان الرسمي، وأما الحكومة المعترف بها دوليًا، فتبدو محدودة التأثير، في مشهد يعكس حالة الدولة التى فقدت احتكارها للسلطة والسلاح.
والسودان بدوره يواجه أخطر اختبار لوحدته منذ انفصال الجنوب عام 2011م ، فالصراع المسلح الدائر لم يعد مجرد نزاع على الحكم، بل تحول إلى صراع على الأرض والموارد والنفوذ، مع المؤشرات المقلقة على تفكك الدولة المركزية، وعودة الهويات الاقليمية والقبلية بوصفها بدائل للهوية الوطنية.
وفي الصومال، يبدو التقسيم أكثر وضوحًا؛ إذ تمارس أرض الصومال سيادتها الكاملة منذ أكثر من ثلاثة عقود، رغم غياب الاعتراف الدولي، ومع تصاعد الأهمية الاستراتيجية للبحر الأحمر وخليج عدن، يزداد الحديث عن شرعنة هذا الواقع، مما يعني أن التقسيم لم يعد احتمالًا نظريًا، بل مسارًا سياسيًا مؤجل التتويج.
وفي سوريا، ورغم بقاء الدولة موحدة اسميًا، فإن الجغرافيا السياسية تقول شيئًا آخر، فخرائط النفوذ المتداخلة بين القوى الاقليمية والدولية خلقت واقعًا جديدًا، لا يسمح بعودة الدولة المركزية القوية، ولا يذهب في الوقت ذاته نحو التقسيم الرسمي المعلن.
وأما ليبيا، فهي النموذج الصارخ لدولة واحدة بسلطتين، وجيشين، ورؤيتين سياسيتين، ورغم أن النفط لا يزال عامل ردع أمام إعلان الانفصال، فإن الانقسام العملي في إدارة الدولة والموارد بات حقيقة يومية.
والقوى الدولية الكبرى لم تعد تميل إلى إعادة رسم الخرائط كما حدث في مطلع القرن العشرين، لما يحمله ذلك من كلفة سياسية وأمنية، ولكنها في المقابل تتعايش مع تفكيك الدولة الوطنية، طالما يحقق لها إدارة الأزمات، وضبط الصراعات، ومنع بروز القوى الاقليمية المستقلة والقوية ، وبهذا المعنى يصبح التقسيم غير المعلن أداة لإدارة الفوضى، لا لحلها.
والخطر لا يكمن فقط في احتمال التقسيم، بل في تحوله إلى واقع دائم، يُطبع في الوعي السياسي والاجتماعي، وتعتاد عليه الأجيال الجديدة، فتفقد الدولة معناها، وتتحول السيادة إلى مفهوم نسبي، مرتبط بالقوة لا بالقانون.والشرق الأوسط لا يُعاد تشكيله اليوم عبر المؤتمرات الدولية أو الخرائط الجديدة، بل عبر تآكل الدولة من الداخل، وإذا لم تُسترد فكرة الدولة الوطنية القادرة والعادلة، فإن التقسيم غير المعلن قد يصبح أخطر من أي تقسيم رسمي… لأنه يحدث بصمت، ويترسخ دون مقاومة.


