الصين وتايوان :اللعب بالسلاح بين الردع والانزلاق إلى الحرب

ا د علي احمد جاد بدر. استاذ العلوم السياسية
الصين وتايوان: اللعب بالسلاح بين الردع والانزلاق إلى الحرب.
تشهد منطقة شرق آسيا واحدة من أخطر بؤر التوتر في النظام الدولي المعاصر، حيث يتصاعد الاحتكاك بين الصين وتايوان في إطار ما يمكن تسميته بـاللعب بالسلاحأي استخدام القوة العسكرية وأدوات الردع دون الوصول إلى المواجهة الشاملة، في محاولة لفرض المعادلات السياسية الجديدة دون كلفة الحرب المباشرة.
وتعود الأزمة إلى عام 1949م، عندما انتهت الحرب الأهلية الصينية بانتصار الشيوعيين بقيادة ماو تسي تونغ وإعلان قيام جمهورية الصين الشعبية في بكين، بينما انسحبت حكومة تشيانغ كاي شيك إلى جزيرة تايوان معلنة استمرار جمهورية الصين.
ومنذ ذلك الحين ظلت بكين تعتبر تايوان جزءًا لا يتجزأ من أراضيها، وترفض أي اعتراف دولي بها كدولة مستقلة لكن ما تغيّر اليوم ليس المبدأ، بل البيئة الاستراتيجية المحيطة به.
وفي السنوات الأخيرة كثّفت الصين مناوراتها العسكرية في محيط مضيق تايوان، وأرسلت الطائرات والسفن الحربية في تدريبات تحاكي الحصار والإنزال البحري، وفي المقابل عززت تايوان قدراتها الدفاعية بدعم واضح من الولايات المتحدة الأمريكية التي تتبنى سياسة الغموض الاستراتيجي تجاه الدفاع عن الجزيرة، مستندة إلى قانون العلاقات مع تايوان لعام 1979م.
وزيارة نانسي بيلوسي إلى تايوان عام 2022م مثلت نقطة تحول، إذ اعتبرتها بكين تجاوزًا للخطوط الحمراء، وردّت بمناورات عسكرية غير مسبوقة، ومنذ ذلك الحين دخلت الأزمة مرحلة التصعيد المنضبط باستعراض القوة دون الاشتباك المباشر.
وهناك ثلاثة عوامل تفسر التصعيد الراهن وتتمثل في صعود الصين كقوة عظمى فبكين ترى أن اللحظة الدولية مواتية لإعادة ترتيب محيطها الحيوي، خاصة في ظل انشغال واشنطن بملفات أخرى مثل أوكرانيا والشرق الأوسط.
بالاضافة إلى التحول في الهوية التايوانية فالأجيال الجديدة في تايوان تميل إلى تأكيد الهوية المستقلة عن البر الصيني، وهو ما تعتبره بكين تهديدًا مباشرًا لوحدة الدولةالاستراتيجية الأمريكية في احتواء الصين واشنطن تسعى إلى تطويق النفوذ الصيني عبر التحالفات الاقليمية في المحيطين الهندي والهادئ، ما يجعل تايوان حجر زاوية في معادلة الردع.
ومن منظور العلاقات الدولية، نحن أمام معادلة الردع المتبادل غير المتكافئ
فالصين تملك التفوق العددي والجغرافي، لكنها تدرك أن أي غزو مباشر لتايوان سيؤدي إلى التدخل الأمريكي المحتملوالعقوبات الاقتصادية الواسعة واضطراب سلاسل الإمداد العالمية، خاصة في قطاع أشباه الموصلات الذي تعتمد عليه الصناعات التكنولوجية العالمية.
وفي المقابل تدرك الولايات المتحدة الأمريكية أن فقدان تايوان سيُضعف مصداقيتها الاستراتيجية في آسيا، ويُعيد رسم ميزان القوى لصالح بكين لذلك فإن الطرفين يمارسان اللعب بالسلاح كوسيلة ضغط، دون رغبة حقيقية حتى الآن في الانزلاق إلى المواجهة الشاملة.
واستمرار التصعيد المنضبط هو السيناريو الأرجح، حيث تستمر المناورات والاستفزازات المتبادلة دون حرب أو الحصار البحري الجزئي فقد تلجأ الصين إلى فرض طوق بحري محدود لإجبار تايوان على التفاوض أو المواجهة المحدودة الخاطفة نتيجة أى خطأ حسابي أو حادث عسكري غير مقصود.
أو التسوية السياسية بعيدة المدى وهو السيناريو الأقل احتمالًا في ظل تصلب المواقف بين الطرفين ، إن أزمة الصين وتايوان ليست نزاعًا اقليميًا فحسب، بل اختبار حقيقي لمستقبل النظام الدولي هل ينتقل العالم إلى مرحلة التعددية القطبية التى تقودها بكين؟
أم تحافظ واشنطن على موقعها القيادي في آسيا؟
وحتى الآن يبدو أن الجميع يلعب على حافة الهاوية… بالسلاح، لكن دون إطلاق الرصاصة الأولى غير أن التاريخ يعلمنا أن كثرة اللعب بالنار قد تشعلها، ولو بغير قصد.


