حين أصبحت البيوت مزدحمة ..والقلوب فارغة بقلم زهراء محمد إبراهيم

حين أصبحت البيوت مزدحمة… والقلوب فارغة
بقلم: زهراء محمد إبراهيم
لم تعد المشكلة اليوم في قلة الناس حولنا، بل في قلة الشعور بيننا.
في الماضي كانت البيوت صغيرة، لكنها تتسع للجميع، وكانت الأرواح متقاربة حتى وإن فرّقتهم المسافات. أما اليوم، فالبيوت أكبر، والهواتف أذكى، والطرقات أسرع… لكن الإنسان أصبح أبعد من أي وقت مضى.
قديماً، كان التعب يُرى في ملامح الوجوه قبل أن يُقال بالكلام.
الأم تعرف حزن ابنها من طريقة جلوسه، والأب يشعر بضيق عائلته من صمت المائدة، والجيران يطرقون الباب لا ليسألوا “ماذا تريدون؟” بل ليقولوا “هل أنتم بخير؟”.
أما اليوم، فقد تغيّر كل شيء.
أصبح الإنسان يختبئ خلف شاشة، يضحك في صورة ويبكي في الحقيقة، ينشر يومياته للعالم لكنه لا يجد شخصاً واحداً يسمعه بصدق.
صرنا نعيش في زمن كثرت فيه وسائل التواصل… وقلّ فيه التواصل الحقيقي.
حتى العلاقات تغيّرت.
في الماضي كان الناس يتمسكون ببعضهم رغم الظروف القاسية، أما اليوم فأصبحت العلاقات تُهدم لأسباب بسيطة، لأن الصبر قلّ، والاحتواء اختفى، وأصبح كل طرف يريد الراحة لنفسه فقط.
ولم يعد النجاح يُقاس بالأخلاق أو المواقف، بل بعدد المتابعين والمظاهر.
أصبح البعض يخجل من بساطته، ويحاول أن يعيش حياة ليست له فقط ليُقنع الناس أنه بخير، بينما داخله مليء بالتعب والضغط والانكسارات.
الأخطر من كل هذا… أننا بدأنا نفقد شعورنا تجاه بعضنا.
نرى التعب في عيون الناس ونصمت، نسمع الاستغاثة على شكل مزاح ونضحك، ونمرّ على الحزين وكأن شيئاً لم يكن.
الحاضر ليس سيئاً بالكامل، لكنه متعب.
أخذ منا الطمأنينة مقابل السرعة، وأخذ دفء العلاقات مقابل التكنولوجيا، وجعل الإنسان مشغولاً بكل شيء… إلا بنفسه ومن يحب.
ورغم كل هذا، ما زال هناك أمل.
فكل إنسان يستطيع أن يعيد شيئاً من إنسانيتنا بكلمة طيبة، بسؤال صادق، باهتمام حقيقي، أو حتى بحضور يشعر به الآخر أنه ليس وحده في هذا العالم.
لسنا بحاجة إلى حياة مثالية…
بل إلى قلوب تشبه الماضي، حتى ونحن نعيش الحاضر.


