مصر والسعودية واستقرار السودان. ا د علي احمد جاد بدر استاذ العلوم السياسية

مصر والسعودية واستقرار السودان
مقال تحليلي لخبير في الشؤون الاقليمية
تشهد الساحة السودانية واحدة من أعقد الأزمات في تاريخ الدولة الحديثة، حيث تتقاطع فيها مسارات الصراع الداخلي مع حسابات الجوار الاقليمي، وتحديدًا مصر والسعودية، اللتين أصبحتا تمثلان ركيزتين محوريتين في أي معادلة لاستقرار السودان فالدولتان بحكم الجوار الجغرافي بالنسبة لمصر والارتباطات الاقتصادية والأمنية بالنسبة السعودية، تدركان أن استمرار الحرب الأهلية في السودان ليس مجرد أزمة داخلية سودانية، بل تهديد ممتد يتجاوز الحدود ليطال الأمن الاقليمي برمّته.
ومنذ اندلاع الصراع بين الجيش والدعم السريع، تبنّت القاهرة المقاربة الهادئة التى تعتمد على ثلاثة محاور رئيسية تتمثل في:
الحفاظ على مؤسسات الدولة السودانية حيث تنظر مصر إلى الجيش السوداني باعتباره العمود الفقري لوحدة البلاد، وترى أن انهياره سيقود إلى الانفجار الجيوسياسي الخطير على حدودها الجنوبية الممتدة، ولذلك تميل القاهرة إلى دعم المسار الذي يعيد توحيد المؤسسة العسكرية ويحفظ منطق الدولة.
ومنع تمدد الفوضى إلى الاقليم لأن أي انزلاق للسودان إلى سيناريوهات الميليشيات المتعددة، أو تحويله إلى ساحة صراع دولي، سيعرّض مصر لتدفقات اللجوء الجديدة، وتجارة السلاح، والانكشاف الحدودي الخطير لذا تتحرك القاهرة دائمًا عند خطوط التماس.
ولاشك أن إعادة بناء المنصة السياسية السودانيةبالتحرك المصري سواء عبر اجتماعات القاهرة أو التواصل المستمر مع القوى السياسية يهدف إلى إنتاج الكتلة المدنية العسكرية القابلة للحياة، بعيدًا عن استقطابات الخارج وصراعات العواصم التي مزّقت الموقف السوداني.
والسعودية تنظر إلى السودان من زاوية مختلفة لكنها لا تقل أهمية عن ذلك فالرياض ترى في استقرار السودان ضمانًا لسلامة الملاحة في البحر الأحمر، الذي يشكل أحد أهم الممرات التجارية للاستراتيجية السعودية الجديدة رؤية 2030م وأي اضطراب في السودان يعني ارتفاع مستوى المخاطر على هذا الممر الحيوي.
ومنصة جدة التي استضافت جولات التفاوض بين الجيش والدعم السريع ليست مجرد مبادرة بل هي رسالة بأن السعودية قادرة على جمع الأطراف، بدعم أمريكي، لتقريب المسافات وإدارة الصراع داخل المسار السياسي المنضبط.
والسعودية من أكبر المستثمرين في الأراضي الزراعية السودانية، وتدرك أن نجاح خططها الغذائية والمائية مرتبط بوجود الدولة المستقرة ولذلك لا تنظر الرياض إلى الأزمة بمنظار عاطفي أو سياسي فقط، بل من زاوية المصالح الاستراتيجية طويلة الأمد.
وللمرة الأولى منذ سنوات تتقاطع رؤية القاهرة والرياض حول السودان في أربع نقاط تتمثل في:
الحفاظ على الدولة ومنع تفككها ، ورفض تحويل السودان إلى ساحة نفوذ لقوى غير عربية ، وتشجيع المسار السياسي الذى يُعيد إنتاج السلطة بشكل متوازن ، واحتواء الحرب ومنع تمددها اقليميًا.
وهذا التقاطع يخلق فرصة ذهبية لبلورة المظلة العربيةالتى يمكنها أن تقود عملية التسوية، وتضع حدًا للاختراقات الاقليمية والدولية التي أطالت عمر الحرب.
فماذا يحتاج السودان من القاهرة والرياض؟
السودان يحتاج إلى دعم توحيد المؤسسة العسكرية، وإغلاق خطوط تسليح الميليشيات، ومنع المزيد من الانهيارات في الولايات الطرفية.
وصياغة المنصة الموحدة التى تجمع القوى المدنية غير المرتبطة بالخارج، مع تقديم الضمانات العربية لحماية التسوية من الانهيار.
والتنسيق المصري السعودي لإطلاق البرنامج الإغاثي التنموي الذى يعيد الخدمات الأساسية إلى الولايات المنهارة، ويمنع المجاعة، ويعيد الثقة للمواطن السوداني.
والحقيقة أنه لا يمكن للسودان أن يستعيد عافيته دون الدور العربي الفاعل، والدور العربي لن يكون مؤثرًا دون المحور المصري السعودي المتناغم.
ومع أن الحرب بلغت مراحل خطيرة فإن تقاطع المصالح بين القاهرة والرياض يفتح الباب لمرحلة جديدة من الجهود المنسقة، عنوانها الأساسي: إنقاذ الدولة السودانية قبل أن تضيع بالكامل.


