الكهرباء العراقية..مشروع وطني لإنتاج الظلام بموازنات خيالية جواد التونسي

الكهرباء العراقية ” مشروع وطني لإنتاج الظلام بموازنات خيالية “
جواد التونسي
منذ عام 2003 وحتى اليوم، تعاقب على وزارة الكهرباء العراقية أحد عشر وزيراً بالأصالة، وتبدلت الحكومات والبرلمانات والشعارات، لكن الشيء الوحيد الذي بقي ثابتاً هو انقطاع الكهرباء،وكأن أم كلثوم كانت تتنبأ بحالنا حين غنت: ” يا حبيبي كل شيء بقضاء ما بأيدينا خلقنا تعساء عشرين ساعة تطفي عنا الكهرباء “، فالكهرباء في العراق أصبحت فعلاً قدراً لا خدمة، تأتي ساعتين وتغيب عشرين وكأنها موظف يعمل بنظام الدوام الجزئي، أما وزارة الكهرباء، فقد نجحت في شيء واحد فقط: جعل المواطن يحفظ جدول الانطفاءات أكثر مما يحفظ النشيد الوطني، حتى صار الضوء عندنا مناسبة تستحق الاحتفال، فكل وزير يأتي حاملاً “الخطة الاستراتيجية”، ويغادر تاركاً خلفه خطة جديدة للوزير الذي يليه، حتى تحولت الوزارة إلى معرض دائم للوعود المؤجلة، الأرقام وحدها تكفي لإثارة الدهشة، فبحسب تصريحات برلمانية ولجان تحقيق رسمية، أُنفق على قطاع الكهرباء ما بين 62 و81 مليار دولار خلال السنوات الماضية، بينما تحدثت تقارير أخرى عن أرقام أعلى بكثير عند احتساب الإنفاق الكلي والتشغيلي واستيراد الوقود، ولو سألنا المواطن العراقي عن حصيلة هذه المليارات، فسيجيب وهو ينظر إلى المولدة الأهلية: “النتيجة موجودة في فاتورة الأمبير”، فالعراقي يدفع للدولة، ويدفع لصاحب المولدة، ويدفع ثمن الوقود، ثم يكافأ بانقطاع الكهرباء عند ذروة الحرارة، وزارة الكهرباء في العراق تشبه طالباً يرسب في الامتحان نفسه كل عام، لكنه يصر على إلقاء اللوم على القلم والدفتر والطقس والحرارة والوقود والجيران، أما النجاح فلا يأتي أبداً، وفي كل صيف نسمع العبارة ذاتها: “الأزمة مؤقتة”، حتى أصبح المؤقت أطول من عمر أجيال كاملة، والأغرب من ذلك أن تقارير ديوان الرقابة المالية كشفت عن هدر يقارب مليار دولار خلال خمس سنوات على طاقة لم تُستلم ومحطات لم تُتملك بالكامل، في مشهد يلخص حجم الفوضى الإدارية والمالية التي رافقت هذا القطاع،لقد أصبحت وزارة الكهرباء حالة عراقية فريدة؛ فكلما ارتفعت الموازنات انخفضت ثقة المواطنين، وكلما زادت التصريحات قلّت ساعات التجهيز، حتى صار العراقي يعرف مواعيد انقطاع الكهرباء أكثر مما يعرف مواعيد نشرات الأخبار، المشكلة لم تعد نقص أموال، بل نقص إدارة ومحاسبة ورؤية حقيقية، فالدول تبني منظومات كهربائية متطورة خلال سنوات قليلة، بينما العراق ما زال منذ أكثر من عقدين يبحث عن حل لأزمة كان يفترض أن تُدفن في أرشيف الماضي ، بعد كل هذه المليارات، ربما تستحق وزارة الكهرباء أن تدخل موسوعة الأرقام القياسية كأطول مشروع لم يكتمل في تاريخ العراق الحديث، فالكهرباء عندنا ليست خدمة عامة، بل ضيف ثقيل يزور المواطنين متى شاء ويغادر بلا استئذان، أما المواطن العراقي، فقد أصبح خبيراً بالطاقة البديلة والمولدات والشموع أكثر من خبراء الوزارة أنفسهم، ينتظر صيفاً لا ينطفئ فيه التيار، كما ينتظر المطر في قلب الصحراء ، وزارة الكهرباء ” الوزارة التي تضيء الوعود وتطفئ الواقع “.


