قراءة في زيارة حفتر وأبنائه الى القاهرة …وترتيبات مصر لإعادة الدولة الليبية. ا د علي احمد جاد استاذ العلوم السياسية

قراءة في زيارة حفتر وأبنائه إلى القاهرة… وترتيبات مصر لإعادة الدولة الليبية
تشهد الساحة الليبية منذ أسابيع حالة من الحراك الهادئ خلف الكواليس، تعكس رغبة الأطراف الاقليمية الفاعلة وعلى رأسها مصر في تحريك الجمود السياسي وتهيئة البيئة المناسبة لانهاء مرحلة الفوضى الممتدة منذ عام 2011م وفي هذا السياق جاءت زيارة المشير خليفة حفتر وأبنائه إلى القاهرة لتفتح الباب أمام التساؤلات الجوهرية حول أهداف الزيارة، ودلالاتها، وما يمكن أن تسفر عنه من الترتيبات لاعادة بناء الدولة الليبية.
وتوقيت الزيارة ليس عابرًا فليبيا تقف اليوم أمام مفترق طرق خطير حيث الانسداد السياسي الكامل بين الشرق والغرب، وفشل كافة المسارات الأممية في انجاز قاعدة دستورية متوافق عليها والتململ الشعبي الواسع من استمرار الانقسام وغياب الخدمات الأساسية ، وعودة الاهتمام الدولي بليبيا في ظل الصراع الأوروبي الأمريكي حول الطاقة والهجرة ، والتقدم الملحوظ للقاهرة في ملفات الجوار يفرض عليها التعاطي مع الملف الليبي بشكل أكثر حسمًا، خصوصًا بعد إعادة تموضعها في الملف السوداني.
وفي هذا السياق تبدو الزيارة خطوة ضمن الترتيبات الأوسع التى قد تُعيد صياغة المشهد الليبي ولا يمكن قراءة زيارة حفتر وأبنائه بمعزل عن تطورات الداخل الليبي فقد بدأ سيف الاسلام ومحمّد وخالد في الظهور كلاعبين محوريين، سواء داخل المؤسسة العسكرية أو في الترتيبات الاقتصادية في برقة، والزيارة تعكس محاولة لاضفاء الشرعية الاقليمية لهذا الدور.
فحفتر يدرك أن المرحلة المقبلة قد تشهد إعادة ترتيب مراكز القوى داخل الشرق الليبي، ويرغب في ضمان الدعم المصري لهذه العملية ، خصوصًا مع الحراك الأمريكي الأممي الأخير الذي يسعى لاعادة إطلاق العملية السياسية بوجوه جديدة وربما بمرجعية مختلفة عن مسار جنيف.
ومصر تنظر إلى ليبيا بوصفها عمقًا استراتيجيًا مباشرًا لا يحتمل الفوضى ومن هنا تبدو أهدافها واضحةفالقاهرة ترى أن استمرار الانقسام يمثل تهديدًا مباشرًا لحدودها الغربية، ويجعل الجنوب الليبي بوابة مفتوحة لتهريب السلاح والارهابيين وبعيدًا عن مشروعات الهيمنة الاقليمية لبعض الدول المتداخلة في الملف، وبما يضمن استعادة القرار الليبي لدائرة الجوار المباشر ولكنه في الوقت نفسه يضمن بقاء المؤسسة العسكرية موحدة تحت قيادة متفق عليها، مع إعادة دمج القوى العسكرية في الاطار الوطني خصوصًا مع رغبة القاهرة في استقرار تدفقات الطاقة وتعظيم التعاون مع مؤسسة النفط الليبية.
ولاشك أن اصطحاب حفتر لأبنائه ليس تفصيلًا بروتوكوليًا، بل مؤشرًا لثلاث نقاط مهمّة تتمثل في تمرير رسالة بأن العائلة العسكرية ستكون جزءًا من مستقبل النظام الليبي وإظهار وحدة القرار داخل القيادة العامة في مواجهة أي أصوات قد تعارض إعادة الهيكلة وتقديم الأبناء، خصوصًا صدام وخالد، كشركاء في التفاهمات المقبلة سياسيًا وأمنيًا.
وهذا الحضور يعكس إدراك حفتر أن مرحلة ما بعد المرحلة الانتقالية قد تتطلب وجوهًا جديدة أقل ارتباطًا بتاريخ الصراع، وأكثر قدرة على التواصل الدولي.
فما هي السيناريوهات المتوقعة بعد الزيارة.
التوافق المصري الليبي على إعادة هندسة المشهدويتضمن:
• تشكيل الحكومة التوافقية الجديدة وتفكيك ازدواجية المؤسسات واعتماد صيغة لاجراء الانتخابات خلال عام واحد.
• أو الدعم المصري لإعادة هيكلة المؤسسة العسكرية في الشرق والتهيئة لمرحلة يتراجع فيها الدور الشخصي لحفتر تدريجيًا، مع دخول أبنائه في المواقع القيادية المحسوبة.
• أو الضغط الاقليمي لتسريع الحل السياسي خاصة مع رغبة أوروبا في وقف الهجرة، ورغبة واشنطن في تقليص الوجود الروسي داخل ليبيا.
إذن زيارة حفتر وأبنائه إلى القاهرة ليست مجرد زيارة بروتوكولية، بل محطة مهمة ضمن عملية أوسع لاعادة ترتيب البيت الليبي والقاهرة تتحرك من منطلق الأمن القومي المباشر، وتسعى لاعادة الدولة الليبية الموحدة القادرة على تأمين حدودها وتفعيل مؤسساتها.
وفي المقابل يسعى حفتر إلى تثبيت موقعه وموقع أبنائه في الترتيبات المقبلة، معتمدًا على الدعم المصري الذي يظل القوة الأكثر تأثيرًا واعتدالًا في الملف الليبي مقارنة بالقوى الأخرى.
والمرحلة المقبلة قد تكون بداية لعودة الدولة الليبية إذا ما توافرت الارادة الداخلية والدعم الاقليمي المتوازن… والقاهرة تبدو اليوم في قلب هذا المسار.


