الإمارات والاستقرار الوظيفي في الشرق الأوسط وإنذار الخطر ا د علي احمد جاد بدر

الامارات والاستقرار الوظيفي في الشرق الأوسطوانذار الخطر
في خضم الاضطرابات المزمنة التي يشهدها الشرق الأوسط، برز مفهوم الاستقرار الوظيفي بوصفه أحد المفاتيح التفسيرية لفهم سلوك بعض القوى الاقليمية، وفي مقدمتها دولة الامارات العربية المتحدة ، وهذا الاستقرار لا يقوم على بناء الدول الوطنية القوية ، بمؤسسات ديمقراطية مكتملة، بقدر ما يهدف إلى ضمان الحدٍّ الأدنى من الأمن والسيطرة ، ويسمح بحماية المصالح الاستراتيجية ، ومنع الفوضى الشاملة.
وتنطلق الامارات من رؤية براجماتية تعتبر أن المنطقة تعاني من الهشاشة البنيوية في الدولة الوطنية، وأن الرهان على التحولات الديمقراطية قد يفتح الباب أمام الفوضى ، أو صعود القوى المعادية للاستقرار، لذلكفضّلت الامارات أن تبني نموذج يقوم على دعم القوى المحلية القادرة على فرض الأمن ، وتحييد الجماعاتالمسلحة ذات الطابع الأيديولوجي ، وتأمين الممرات البحرية ، والمواقع الاستراتيجية، والاستثمار الاقتصادي في البيئات المضطربة مقابل النفوذ السياسي ، والأمني ، وهذا النموذج لا يسعى إلى الحل المثالي، بل إلى إدارة الأزمات ، ومنع انهيار الدولة الكامل.
وفي اليمن وليبيا والسودان والصومال، لم يكن الهدف الاماراتي إعادة إنتاج الدولة المركزية القوية ، بالمعنى الكلاسيكي، بل خلق الكيانات ، أو القوى المحلية التى تؤدي الوظائف المحددة مثل ضبط الأمن، حماية السواحل، مكافحة الارهاب، أو تأمين الموارد، وهنا يتحول الاستقرار من كونه مشروعًا سياسيًا طويل الأمد ، إلى أداة وظيفية تخدم التوازنات الاقليمية الأوسع.
وهذا النهج يفسر دعم القوى العسكرية أو الأمنية خارج الأطر الحكومية التقليدية، التركيز على الجغرافيا الاستراتيجية ، أكثر من العواصم السياسية ، وتزايدالاهتمام ببناء المؤسسات المدنية المستقلة.
وسياسيًا حقق هذا النموذج للامارات حضورًا مؤثرًا في الملفات الاقليمية المعقدة، وسمح لها بأن تلعب أدواراً تفوق حجمها الجغرافي ، والديمغرافي، لكنه في المقابل أسهم في إضعاف مسارات الدولة الوطنية، وتكريس الانقسام الداخلي في بعض الدول، وتأجيل الأزمات بدل من حلّها جذريًا.
فالاستقرار الوظيفي قد ينجح في إخماد الصراع ، لكنه لا يعالج جذوره الاجتماعية، والسياسية، مما يجعله هشًّا ، وقابلًا للانفجار عند تغير موازين القوى.
والحقيقة أن الامارات لا تتحرك بدافع أيديولوجي، ولا تسعى إلى تصدير النموذج السياسي، بل تتعامل مع الشرق الأوسط كساحة للمصالح ، والمخاطر، ومن هذا المنطلق، يصبح الاستقرار الوظيفي خيارًا عمليًا في بيئة مضطربة، لكنه ليس ضمانة للاستقرار الدائم.
ويبقى السؤال المطروح اقليميًا: هل يمكن لهذا النموذج أن يشكل جسرًا نحو الاستقرار الأشمل، أم أنه مجرد إدارة مؤقتة لأزمات مؤجلة؟ والإجابة مرهونة بقدرة دول المنطقة على استعادة مشروع الدولة الوطنية، لا الاكتفاء بوظائفها الأمنية.


