كثرة ملاليح السفينة وغركت بنص البحر بينا بقلم نور الهدى احسان

“كثرةُ ملاليحِ السفينة وغَرِگتْ بنصفِ البحرِ بينا”
نور الهدى احسان
ليس أشدُّ خطراً على مؤسسةٍ أو عملٍ من أن تفقد بوصلتها المركزية، وأن يُترك دفَّتها في أيدي من لا يملكون علماً ولا خبرة، بل يملكون فقط القدرة على التسلل إلى الواجهة بفضل المصادفات والترضيات فحين يغيب المعيار وتتوارى الكفاءة خلف الضجيج تتكاثر “ملاليح السفينة” حتى إذا اشتدَّ الموج لم يجد الركاب من يقودهم إلى برّ الأمان،
لقد شهدت مؤسساتٌ عريقةٌ عبر الزمن انتكاساتٍ لم تكن بسبب شحِّ الموارد أو ضعف الإمكانات بل بسبب خللٍ في القيادة حين ارتقى إلى مواقع القرار أشخاصٌ لم تُهذّبهم الخبرة ولم تصقلهم التجربة ولم تمنحهم المعرفةُ الحدَّ الأدنى من مؤهلات القيادة غير أن الأقدار العابرة أو الشهادات التي جاءت صدفةً لا استحقاقاً صنعت منهم قادةً على الورق بينما ظلّت الحقيقة تُظهرهم عاجزين عن حمل مسؤولية الكلمة قبل القرار.
إن القائد الحقيقي يملك شجاعة الرأي، وصلابة الموقف، واتساع الأفق؛ أما القائد الهشّ فإنه يخشى الصوت الواضح ويرتبك أمام الكلمة الصريحة ولهذا نراه يحترم الوقاحة ويستأنس بها لأنها لا تهدد سلطته بينما ينزعج من أصحاب الكفاءة لأن حضورهم يفضح ضعفه وهكذا تتحول المؤسسة إلى ساحةٍ يُهمَّش فيها الجديرون بالثقة ويُضيَّق على أصحاب الخبرة في حين يُستخرج من تحت الأنقاض أشخاصٌ لا يملكون من المؤهلات سوى مهارة التملّق، وموهبة الانحناء أمام أصحاب القرار،
في مثل هذا المناخ المشوَّه، يصبح التملّق عملةً رائجة ويغدو السعي خلف الفتات إنجازاً يُحتفى به يلهث بعضهم خلف الفضلات الإدارية والفكرية ثم يرفعونها راية انتصارٍ زائف بينما الحقيقة أن تلك “الانتصارات” ليست سوى دليلٍ على خواءٍ عميق وعلى عجزٍ عن تحقيق نجاحٍ حقيقي يستند إلى العمل المتقن والجهد الصادق،
إن المؤسسات التي تُدار بهذه العقلية لا تسير إلى الأمام، بل تدور في حلقةٍ مفرغة من التراجع فحين يُقصى الأكفاء وتُصنَّع القيادات على أساس الولاء لا الكفاءة يصبح الغرق مسألة وقتٍ لا أكثر والسفينة التي يكثر فيها المتصدرون بلا خبرة تشبه سفينةً يصرخ فيها الجميع أنهم ربابنة بينما البحر يزداد اضطراباً والوجهة تضيع شيئاً فشيئاً،
وما أحوج مؤسساتنا اليوم إلى إعادة الاعتبار للمعيار الحقيقي: معيار الكفاءة والنزاهة والقدرة على العمل المتقن ،فالمؤسسة لا ينهض بها الصخب ولا الشعارات، بل ينهض بها رجالٌ ونساءٌ يمتلكون علماً وخبرةً وشجاعةً في قول الحق، ويؤمنون بأن القيادة مسؤوليةٌ قبل أن تكون موقعاً أو لقباً.
فإن لم يحدث ذلك، وإن بقيت السفينة محاطةً بملاليح كُثُر لا يعرفون سوى التباهي بالموقع فليس مستغرباً أن نغرق في منتصف البحر… لا لأن الموج كان عاتياً، بل لأن من أمسك بالدفة لم يكن يعرف طريق النجاة.

