مجلس الأمن ومشكلة سد النهضة

مجلس الأمن ومشكلة سد النهضة
ادد علي احمد جاد بدر. استاذ العلوم السياسية
منذ أن بدأت أثيوبيا في تنفيذ مشروع سد النهضةعلى النيل الأزرق عام 2011م، دخلت أزمة السد مرحلة معقدة تتقاطع فيها الأبعاد القانونية والسياسية والأمنية، حتى بلغت أروقة مجلس الأمن الدولي أكثر من مرة في محاولة من مصر والسودان لوضع حدٍّ لتعنّت أديس أبابا وتمسكها بسياسة فرض الأمر الواقع.
وتعدّ مياه النيل مسألة وجودية بالنسبة لمصر إذ تعتمد عليها بنسبة تفوق 95% من احتياجاتها المائية، في حين ترى أثيوبيا أن السد يمثل حقها في التنمية واستغلال مواردها الطبيعية، وهذا التناقض الحاد دفع القاهرة والخرطوم إلى اللجوء إلى مجلس الأمن الدولي باعتباره الجهة المنوط بها حفظ السلم والأمن الدوليين، خاصة بعد فشل المفاوضات تحت مظلة الاتحاد الأفريقي.
لكن مجلس الأمن بطبيعته وتكوينه ليس جهة فنية أو مائية بل سياسية بالدرجة الأولى ، ولذلك فإن تعاطيه مع أزمة السد جاء في إطار التحذير من احتمالات تهديد السلم والأمن في الاقليم، دون اتخاذ القرارات الملزمة لاثيوبيا واكتفى المجلس في جلساته المتكررة (2020، 2021، 2023م) بالدعوة إلى العودة للمفاوضات برعاية الاتحاد الأفريقي، مما أثار انتقاداً واسعاً لدى مصر التي كانت تنتظر موقفاً أكثر حزماً.
إن فهم موقف مجلس الأمن من السد الأثيوبي لا يكتمل دون تحليل مواقف الدول الكبرى داخله، فالولايات المتحدة الأمريكية ، وإن بدت داعمة لمصر في فترات إدارة ترامب إلا أنها اتخذت موقفاً أكثر حياداً في عهد بايدنمراعاةً لمصالحها مع أثيوبيا في منطقة القرن الأفريقي الحساسة، وأما روسيا والصين فتمسكتا بمبدأ عدم تسييس قضايا التنمية، ودفعتا باتجاه الحل الأفريقي بعيداً عن تدخل مجلس الأمن.
وهذا التباين بين الأعضاء الدائمين جعل من الصعب تمرير أي قرار قوي ضد أثيوبيا، فتحول المجلس من فاعل مباشر إلى مراقب دولي يكتفي بالتوصيات.
ولقد كشفت أزمة سد النهضة محدودية قدرة مجلس الأمن على التعامل مع قضايا الموارد العابرة للحدود، خاصة عندما ترتبط بحقوق تاريخية ومشروعات تنموية،فالمجلس لا يتدخل إلا إذا ثبت وجود تهديد واضح للسلم أو الأمن، بينما تعتبر إثيوبيا أن السد مشروع سيادي داخلي لا يشكل تهديداً لأي دولة.
كما أن غياب الارادة الدولية الموحدة وتضارب المصالح بين القوى الكبرى، جعلا المجلس عاجزاً عن اتخاذ موقف عملي يُلزم أثيوبيا باتفاق قانوني ملزم لملء وتشغيل السد.
ومن الناحية السياسية استخدمت القاهرة اللجوء إلى مجلس الأمن كوسيلة للضغط الدبلوماسي وإضفاء طابع دولي على الأزمة، وليس فقط كمسار قانوني، فقد أرادت مصر أن تُظهر أن تعنّت أثيوبيا لا يهدد فقط أمنها المائي بل استقرار الاقليم بأسره، خاصة في ظل هشاشة الوضع في السودان والقرن الأفريقي.
ومع ذلك أدركت مصر أن الحل النهائي لن يأتي من نيويورك بل من طاولة التفاوض الأفريقية مدعومة بضغط دولي متزايد، وبتوازن بين الردع السياسي والدبلوماسية المرنة.
ويبقى السؤال: هل يمكن لمجلس الأمن أن يلعبدوراً أكثر فاعلية في المستقبل؟
والجواب يتوقف على مدى تطور الأزمة، فإذا ما أقدمت أثيوبيا على خطوات أحادية جديدة تهدد الأمن المائي لدول المصب، أو إذا اندلع صراع مسلح فإن المجلس سيكون مضطراً للتحرك تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة.
وأما في ظل الوضع الراهن فإن دور الأمم المتحدة سيظل في حدود الوساطة والدعم الفني للمفاوضات، وربما في ضمان تنفيذ أي اتفاق محتمل مستقبلاً.
إن أزمة سد النهضة تمثل نموذجاً كلاسيكياً لصراع المصالح بين التنمية والسيادة من جهة، والحقوق التاريخية والأمن المائي من جهة أخرى، ومجلس الأمن رغم مكانته الدولية لا يتحرك إلا وفق توازنات القوى داخله، لا وفق العدالة المائية أو الحقوق القانونية.
ومن هنا فإن الحل الحقيقي يظل في التفاهم الاقليمي الذي يحفظ حقوق جميع الأطراف تحت مظلة القانون الدولي ومبدأ عدم الإضرار فالمياه كما يقول فقهاء القانون الدولي يجب أن تكون جسراً للتعاون لا سلاحاً للصراع.


